Accéder au contenu principal

الجاموسة 4


لم يُسعفها الحظّ بإتمام دراستها الثانوية فتركت المعهد فجأة و هجرت معه تدريباتها الرياضية في بعض فروع الفريق المحلّي، لكنها لم تتخلّى عن عادة ارتداء البذلة الرياضية حتى غدت لباسها الوحيد. فقط استغنت عن ملابس النساء رغم أن بعضهم أقسم أنه رآها في كامل زينتها تتوارى خلف ظلام الأزقة لحضور حفلة عرس، قال "خسارة ذلك الجمال في عاهرة".
بنيتها الرياضية مكّنتها أكثر من مرّة من الخروج من أكلح المواقف، تضرب و تركل و تقفز و تعضّ، لذلك سئم المنحرفون محاصرتها فلم يظفروا منها بشيء، أما الذين تمكّنهم من نفسها طواعية فتتخيّرهم. لا أحد يعلم بالضبط مقاييس الامتحان و لا أحد استطاع تخمين سبب إقبالها على مثل هذا السّلوك.
لحسن حظ الجاموسة أو ربّما لسوئه –دعونا نفترض- كان من بين القلائل الذين رضيت عنهم منية.
تلك الليلة الصافية من أواخر الصيف الماضي و احتفالا بخروج الجاموسة من السجن، و على ربوة تشرف على المدينة جلس الأصحاب على حافة الطريق المقفر و قد اختلطت في عيونهم انعكاسات الأنوار الآتية من الأسفل مع غمز النجوم. لو مرّ أحد العابرين فلن يرى غير لطخات بيضاء مُشربة بنقاط حمراء ترتفع و تنزل بارقة في سواد الليل.
عندما انتشى الرّفاق اقترح أحدهم الرجوع إلى المدينة للتزوّد بكميات أخرى و لتجنّب دورية الشرطة التي قد تباغتهم فيجدوا أنفسهم مضطرين إلى اقتسام العبوات مع الأعوان. و اقترح أن يواصلوا السهرة في منزله الذي لم يكتمل بعد.

الصّدفة قد تُغيّر مصيرا، و ما حياتنا إلا مجموعة صُدف ملقاة كصَدَف البحر على شاطئ متعرّج، كم كلمةً غيّرت حياتك! و كم حادثة لم تتوقعها رفعت بعدها هامتك! و كم وخزةً جعلتك تكتم صرختك و تطأطأ رأسك! ما الانسان إلا كُرَة تتقاذفها الصّدف و تلهو بها رياح الحظّ حتى ترميهها صدفة عشوائية في حفرة أو في طريق مُعبّد، الكون صغيرٌ جدّا و الإنسان صغيرٌ في الصّغر.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

معنى ش ل ب في لسان أهل تونس

شَلَبيّة/شَلْبيّة، شِلْبة، شلْبَبُّو، شْلَبّة المعاجم العربية لا تذكر في هذه المادة غير مدينة شِلب الاسبانية. بينما الواقع يؤكد تداول صيغ عديدة من الجذر "ش ل ب". مدينة شِلب Silbis  أو    CILPES جنوب اسبانيا البِيتِيّة (الأندلس بلغة الشريعة).  [   بيتيّة bétique ، أشم في الاسم رائحة شيء مخفي إذا قارنا التسمية مع vetus ... تتأكد أكثر بالقاء نظرة على مدينة Salapia الايطالية  Salapia vetus ... الأمر متعلّق بأرض قرطاج ]. و لا نعلم شيئا عن الأساطير المرتبطة بمدينة شلب. أَنا لَوْلَا النَّسِيمُ والبَرْقُ والوُرْ ____ قُ وصَوْبُ الغمام ما كُنْتُ أَصْبُو ذَكَّرَتْنِي شِلْبًا وهَيْهَاتَ مِنّي____ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ التَّبَاعُدُ شِلْبُ المعجم الانجليزي (رغم السقطات) يبقى أهم مرجع. إذا قارنّا بين "ش ل ب" و "س ل ب" و الأصل (السنسكريتي) الذي يقترحه المعجم الانجليزي، فإن المعنى يتّضح... sleep أي نام، ضَعُف، غفل،سُلِب الإرادة...      أخطأ المعجم في مقابلة الكلمة بـ "صُحلب" رغم أنه يعرّف saloop على أنها مشروب مخدّر أ...

مقون MAGON

من يذكر أمه أو جدّته و في يدها القرداش لا بدّ يذكر "المقّون/ مڨُّون" و هو جمع ماقونة أو مقّونة و أرجّح ماقونة و جمعها ماقون دون تضعيف حرف القاف، و الأصل هو حرف الڨG و الدليل هو عدد الناطقين به... في جبل نفوسة و شرق الجزائر (قسنطينة) يسمى المقون "قلوم"... جمع قلم أو شكل القلم. تُصرّ أمي، و قد جعلتُها تستذكر تلك الليالي، أن المقّون هو حكرا من الصوف الأبيض و ليس الملوّن أو المخلوط، و إن كانت كلّها مقونات. و هذا التفصيل الدقيق يكون تصديقا لما سيأتي و حُجّةً عليه. بعد غسل الصوف و ندفه و فرزه و تمشيطه تبدأ عملية الغزل، و مقدّمة الغزل هي القرداش و هو تلك الآلة (صورة 1) ذات الأسنان الرقيقة، و بطريقة مُعيّنة نحصل على شكلٍ مستطيل من الصوف يُطوى مباشرة بحركة من إحدى كفّتي القرداش ليتحوّل إلى لُفافة cigar أو قلم ثم يدويّا يُعطى شكل هلال أبيض بقرنين لتسهيل عملية التّطعيم أثناء الغزل (صورة2و 3). بقية المراحل لا تدخل في موضوع هذه الملاحظة. الإشارة الأولى أن اسم Magon يكاد (من المعلومات المتوفرة) يكون حكرا على الطبقة الحاكمة في الدولة و خاصة قيادة الجيش و...
  ميشلان 5- مع انتصاف النهار إلا قليلا ينحسر الظلّ و تنتصب الشمس تماما، و ينفضّ المجلس. الشمسُ الآن كرصاصٍ ذاب فراح يقطرُ لطخاتٍ كبيرة كالصّفعات المتتالية عندما تتابع في صمتٍ على رقبتك و لا تتركُ غير العرق المعروك بالسواد. فطور و قيلولة ترتُقَ ما تمزّق من ساعات حتى يؤَذَّنَ للظهر الأخير. و الظّهر الأخير حينَ ينتصف الظّهر، يُشظّي القيلولة نصفين و يُبعثرها غَفواتٍ بطعم "الفلفل المُلَهْوَثِ" [1] و تجرّعات الثوم و السّردين المقليّ و رغاوي العطش. عبثا حاول الجميع إقناع سي ڨدّور بضرورة ابتدار الصلاة عند دخول الوقت أو تأخيرها إلى العصر، حتّى السلطة عجزت، و السبب مجهول أو لا يعرفه أحد، فآثر أغلب زبائن سي ڨدّور السّلامةَ في بيوتهم، و من حضر فإنما جفاه النّوم أو خلا منزله من ركنٍ بارد ففرَّ إلى بيت الله. و العجيب في الزوايا و المساجد القديمة أنه كلّما اشتدّ حر الظهيرة ازداد بردها و تنسّمت ريح الصّبا فيحلو تحت قبابها كسلُ النوم أو شجَنُ الحديث. الرّواد هم أنفسهم كلّ يوم، سي يونس و سي محمّد تاجر الصوفو سي عبد الله ولد الشيخ و عم جلّول الذي إن غاب أرسلوا في طلبه و أحيانا ي...