Accéder au contenu principal

في رُبى الجنان 3


ثمّ كانت ليلةٌ من الأرق يتناثرُ زبَدُه مرتبكًا كفقاقيعٍ راغِيَةٍ عند قصعة صابون رديء الزّيت، و تبرُقُ ألوانها بألف لونٍ من الضّجر. إن لاحظتَ، فالأرقُ يُلهبُ الحرَّ في الجوِّ حتى يتقطّر العرقُ في ليالي كانونَ.
و بين الغفوة و الغفوة هوّة بلا قرار من السّهاد يتراءى من خلالها السقف كالقمر البعيد عبر فوهة جبّ في دارٍ مهجورة.
و كلّما انتبهت رحت أجمّع لَبِنات الحلم المتشظية بين ثنايا الدثار و أعيد رصفها لتكوّن حلبةَ لمسرح الرؤيا.
ارتفع البساط النورانيُّ و استدار يقابل الشمس فاكتست زئابرُه ألفَ لَمْعٍ في حين كانت أهدابُه تصفّ و تُمسكُ مثل أجنحة الطّير. ثمّ كنتُ عند أعلامٍ تحفّ نهرا يجري بخمرٍ لا شائبة فيها و من تحتها يبينُ تُراب الكافور نقيًّا كالحليب.
و عند إحدى تلك الأيات لمحتُ جارية تتوهّجُ كقارورة من زجاجٍ فيها مصباحٌ تُبهر الأعينَ بالضياء:
-يا أمَهْ! من أنت و أيُّ برْقٍ شَرَقَ بكِ إلى هنا!؟
-أنا رشا رسول أم البنين تدعوكَ أن أقبلْ فإنّ الشوقَ بلَغَ الزّبى.
-ارجعي فقولي أني أعود قريبا...
ثم خطرَ لي:
-يا جارية، أتعرفين أبا نواس و جارية عنان؟
فتبسّمت عجبا و تلوّت كغصن بانٍ هزّه الخجل و قالت:
-عرفتُ صاحبَه حسين الدّنّان من شعر رماني به يوم السوق عند ذات الأكيراخ و معه زهير.
-أتجيدين العضّ يا رشأَ عُمّمت بليلٍ أسود؟
-إنما له أنشأتُ يا مولاي.
و كان ما كان تحت شجرة التفاح في ساعة كان مقدارها سبعين مما نَعدّ في الدنيا.
و لما قضيت منها وطرا انتبهت إلى صوتٍ خافتٍ كأنه خوارٌ فإذا هو قصرٌ عاليةٌ أبراجه شاهقَةٌ كقُلل الجبال كلّما سفعت الرّيحُ  ذُراها خارتْ كَعِجلٍ لم يَبْلُغِ الفطام بعد. ناديت:
-لمنْ هذا الخَورْنقُ يا أيّها الهاتف؟! لأحسبُ أن ساكنه من المقرّبين الأخيار!
صاح الصوت و قد بدا أنه تخلّص من بُحَةِ البارحة:
- هذا قصر أمين سرّ الهيئة، لله دره، هنيئا لك الجوار.
فارتددت على أثري مُولّيا:
-سلامٌ عليه، طوبى لنا معشر الأبرار.
فكأني سمعت صوت الهاتف يكتم قهقهة، فسألت مستعلما:
-و بقية أصحابي، متى سألقاهم؟
-بعضهم في الفردوس الأسفل تلقاهم يوم السوق،و بعضهم ستطّلع إليه من أعلى الجدار.

فتناولت السِّماط و ارتقيت البساط و  أزمعت السير إلى الغرب حين لهج المؤذّن بالصبح.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

معنى ش ل ب في لسان أهل تونس

شَلَبيّة/شَلْبيّة، شِلْبة، شلْبَبُّو، شْلَبّة المعاجم العربية لا تذكر في هذه المادة غير مدينة شِلب الاسبانية. بينما الواقع يؤكد تداول صيغ عديدة من الجذر "ش ل ب". مدينة شِلب Silbis  أو    CILPES جنوب اسبانيا البِيتِيّة (الأندلس بلغة الشريعة).  [   بيتيّة bétique ، أشم في الاسم رائحة شيء مخفي إذا قارنا التسمية مع vetus ... تتأكد أكثر بالقاء نظرة على مدينة Salapia الايطالية  Salapia vetus ... الأمر متعلّق بأرض قرطاج ]. و لا نعلم شيئا عن الأساطير المرتبطة بمدينة شلب. أَنا لَوْلَا النَّسِيمُ والبَرْقُ والوُرْ ____ قُ وصَوْبُ الغمام ما كُنْتُ أَصْبُو ذَكَّرَتْنِي شِلْبًا وهَيْهَاتَ مِنّي____ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ التَّبَاعُدُ شِلْبُ المعجم الانجليزي (رغم السقطات) يبقى أهم مرجع. إذا قارنّا بين "ش ل ب" و "س ل ب" و الأصل (السنسكريتي) الذي يقترحه المعجم الانجليزي، فإن المعنى يتّضح... sleep أي نام، ضَعُف، غفل،سُلِب الإرادة...      أخطأ المعجم في مقابلة الكلمة بـ "صُحلب" رغم أنه يعرّف saloop على أنها مشروب مخدّر أ...

مقون MAGON

من يذكر أمه أو جدّته و في يدها القرداش لا بدّ يذكر "المقّون/ مڨُّون" و هو جمع ماقونة أو مقّونة و أرجّح ماقونة و جمعها ماقون دون تضعيف حرف القاف، و الأصل هو حرف الڨG و الدليل هو عدد الناطقين به... في جبل نفوسة و شرق الجزائر (قسنطينة) يسمى المقون "قلوم"... جمع قلم أو شكل القلم. تُصرّ أمي، و قد جعلتُها تستذكر تلك الليالي، أن المقّون هو حكرا من الصوف الأبيض و ليس الملوّن أو المخلوط، و إن كانت كلّها مقونات. و هذا التفصيل الدقيق يكون تصديقا لما سيأتي و حُجّةً عليه. بعد غسل الصوف و ندفه و فرزه و تمشيطه تبدأ عملية الغزل، و مقدّمة الغزل هي القرداش و هو تلك الآلة (صورة 1) ذات الأسنان الرقيقة، و بطريقة مُعيّنة نحصل على شكلٍ مستطيل من الصوف يُطوى مباشرة بحركة من إحدى كفّتي القرداش ليتحوّل إلى لُفافة cigar أو قلم ثم يدويّا يُعطى شكل هلال أبيض بقرنين لتسهيل عملية التّطعيم أثناء الغزل (صورة2و 3). بقية المراحل لا تدخل في موضوع هذه الملاحظة. الإشارة الأولى أن اسم Magon يكاد (من المعلومات المتوفرة) يكون حكرا على الطبقة الحاكمة في الدولة و خاصة قيادة الجيش و...
  ميشلان 5- مع انتصاف النهار إلا قليلا ينحسر الظلّ و تنتصب الشمس تماما، و ينفضّ المجلس. الشمسُ الآن كرصاصٍ ذاب فراح يقطرُ لطخاتٍ كبيرة كالصّفعات المتتالية عندما تتابع في صمتٍ على رقبتك و لا تتركُ غير العرق المعروك بالسواد. فطور و قيلولة ترتُقَ ما تمزّق من ساعات حتى يؤَذَّنَ للظهر الأخير. و الظّهر الأخير حينَ ينتصف الظّهر، يُشظّي القيلولة نصفين و يُبعثرها غَفواتٍ بطعم "الفلفل المُلَهْوَثِ" [1] و تجرّعات الثوم و السّردين المقليّ و رغاوي العطش. عبثا حاول الجميع إقناع سي ڨدّور بضرورة ابتدار الصلاة عند دخول الوقت أو تأخيرها إلى العصر، حتّى السلطة عجزت، و السبب مجهول أو لا يعرفه أحد، فآثر أغلب زبائن سي ڨدّور السّلامةَ في بيوتهم، و من حضر فإنما جفاه النّوم أو خلا منزله من ركنٍ بارد ففرَّ إلى بيت الله. و العجيب في الزوايا و المساجد القديمة أنه كلّما اشتدّ حر الظهيرة ازداد بردها و تنسّمت ريح الصّبا فيحلو تحت قبابها كسلُ النوم أو شجَنُ الحديث. الرّواد هم أنفسهم كلّ يوم، سي يونس و سي محمّد تاجر الصوفو سي عبد الله ولد الشيخ و عم جلّول الذي إن غاب أرسلوا في طلبه و أحيانا ي...