Accéder au contenu principal

وحش الفلاه 5

 اندفع البغل يخِبّ كأنّ قوّةً راقصَةً استعمرت كيانه و راحت تنظّم وقعَ السّير على الآهات التي تطلقها الدواليب و تضبطها على أنين خشبات العربة و في خلفية المشهد صدى وامضٌ لطَرَقات الحمار الأسود الأنيق على الثرى الجافّ.
عند اقتراب الركب من أرض الحاج محمد تحوّل لون الطريق إلى رمال حمراء كاللهب البارد تجري خلالها بُقع من حصًى أبيض كالرماد مما حملت سيولٌ فَتَرَ عزمها فلم تطفأْ عطش الأرض.
حين تباطأ الاندفاع و سكنت آلام العربة قفز عم صالح على أطراف أصابعه منحنيا على ركبتيه حتى لا يستثير آلام مفاصله ثمّ استوي منتصبا على الرمل الطريّ.
ارتفع صوت النباح و اقترب، و تراءى عدد من الكلاب جاؤوا يطوّقون المكان بأذنابهم المرفرفة و فرائهم اللامعة بالنّدى حين تلمسها أشعة الشمس المتسرّبة من الأفق.
-يباركك الله يا حاج، ربّما أمرّ يعد ساعة لكأس شاي، أربط الكلاب.
اكتفى الحاج بحركة من رأسه، في حين كان وحش الفلاه يعلم أن لا شايَ و لا نار توقد عنده، فكلّ ذلك تبذير و مضيعة للوقت بحسب عادة الحاج المحمد و وصايا امرأته الحاذقة.
لمّا يستقرّ الضّحى بعد، و قطرات الطّل على خضرة النباتات تكشف الشحوب المخيّم على الحقول و تنذر بيوم قيظ آخر. أجال عم صالح بصره في دائرة الأفق كأنه يَشيمُ مطرًا ثم، بمقدّمة نعله أثار شيئا من التراب في الهواء قُدّامه متحسسا اتجاه الريح.
سنة قحط أخرى تقترب، يكاد أوسو ينتصف و لا بشائر بالخريف.
"الصّيف ضيف، و الخريف هو العام" ردّد بين شفتيه و استنتج أن عليه مضاعفة الجهد و شدّ الهمّة أكثر، ثمّ رفع طرف جبّته عند كتفه و مضى.
دَلف خلال فلّة في حائط الحقل عبر مسرب يخترق بحر أمواج تركها محراث فَلّت سِكّته و اخترق حدودا ترابية و جازَ أخاديدَ قديمةَ تحفّها شجيرات السكّوم و العوسج و قد تناثرت على غصيناتها حبيبات حمراء فاقعة تتهيأ للتدحرج عند كلّ حركة طارئة لتملأ قيعان النمل و مغاور اليرابيع و الخنافس.
عندما لاحت له مخازن الطوب في طرف البيدر كانت كلاب سي عامر قد أحاطت به كفُجائة القدر.
لكن السنوات السبعين عجنت القدر في جفنةِ كفّه و رقّقته و خبزته على نارٍ ذكيّةٍ لا تني تتوقّد مع الأيام.
أدخل يده في جيبه و أخرج رغيف خبز يابس كان تحايل في أخذه من مخبزة البلد الوحيدة. لا يزال شراء الخبز من السوق عيبا يصل حدّ العار، و ليس من اللائق بمقام عم صالح أن يُنعت بالفقير، المحافظة على المظهر أحد أهم وساوس أيامه و لياليه.
هشّم الكسرة إلى رقائق صغيرة و ألقاها إلى الكلاب التي سرعان ما انشغلت في اسكات عواء بطونها فنسيت عواءها و مرّ الشيخ بين ذيولها المرحّبة كالأعلام الخافقة.
سي عامر مشغول بشيء ما فلم ينتبه للطيف العابر عند عدوة المَجَرِّ أسفل البئر حيث توارى خلف بيت الطوب و منها جعل خطواته فوق الأعشاب الجافة إلى شجرة الخرّوب العجوز حيث تتدلّى ثمارها في خليط متدرّج من الأخضر إلى الأحمر إلى بنّيٍ كقرون التّيوس.
أخرج من جيب الفرملة صرّة الدقيق الأبيض و راح يرسم دائرة عند ظلّ الخروبة و طلاسم و علامات غريبة لا يفقه كنهها غيره، ثم قطع غصنا من فوقه و راح يكرّه ماحيًا البُقع التي تركتها قدماه و بين كل هذا لم يغفل عن تسجيل ملاحظاته في الذاكرة حتى و هو يتسلل مخترقا فجوة في الطابية إلى حقل لم يتسنَّ له معرفة صاحبه.
أسرع إلى طريق ضيّق قاده جنوبا و أوغل في أحراش مقفرة حتى إذا شارف القرية المجاورة نكص على عقبيه و انحاز شرقا في اتجاه المدينة عبر أزقّة من طوابي الظّلف كالأدغال.
-الحاج محمّد هبة من الله، فهو كتوم كمن ألقيَ لسانه للقطط.
قال، وحثّ السّير مترنّما ببعض أبيات من البردة. و حين أدرك العمران سمع شتائم أمعائه تتخاصم من الجوع، و يمّم شَطْرَ السوق.
يتبع

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

معنى ش ل ب في لسان أهل تونس

شَلَبيّة/شَلْبيّة، شِلْبة، شلْبَبُّو، شْلَبّة المعاجم العربية لا تذكر في هذه المادة غير مدينة شِلب الاسبانية. بينما الواقع يؤكد تداول صيغ عديدة من الجذر "ش ل ب". مدينة شِلب Silbis  أو    CILPES جنوب اسبانيا البِيتِيّة (الأندلس بلغة الشريعة).  [   بيتيّة bétique ، أشم في الاسم رائحة شيء مخفي إذا قارنا التسمية مع vetus ... تتأكد أكثر بالقاء نظرة على مدينة Salapia الايطالية  Salapia vetus ... الأمر متعلّق بأرض قرطاج ]. و لا نعلم شيئا عن الأساطير المرتبطة بمدينة شلب. أَنا لَوْلَا النَّسِيمُ والبَرْقُ والوُرْ ____ قُ وصَوْبُ الغمام ما كُنْتُ أَصْبُو ذَكَّرَتْنِي شِلْبًا وهَيْهَاتَ مِنّي____ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ التَّبَاعُدُ شِلْبُ المعجم الانجليزي (رغم السقطات) يبقى أهم مرجع. إذا قارنّا بين "ش ل ب" و "س ل ب" و الأصل (السنسكريتي) الذي يقترحه المعجم الانجليزي، فإن المعنى يتّضح... sleep أي نام، ضَعُف، غفل،سُلِب الإرادة...      أخطأ المعجم في مقابلة الكلمة بـ "صُحلب" رغم أنه يعرّف saloop على أنها مشروب مخدّر أ...

مقون MAGON

من يذكر أمه أو جدّته و في يدها القرداش لا بدّ يذكر "المقّون/ مڨُّون" و هو جمع ماقونة أو مقّونة و أرجّح ماقونة و جمعها ماقون دون تضعيف حرف القاف، و الأصل هو حرف الڨG و الدليل هو عدد الناطقين به... في جبل نفوسة و شرق الجزائر (قسنطينة) يسمى المقون "قلوم"... جمع قلم أو شكل القلم. تُصرّ أمي، و قد جعلتُها تستذكر تلك الليالي، أن المقّون هو حكرا من الصوف الأبيض و ليس الملوّن أو المخلوط، و إن كانت كلّها مقونات. و هذا التفصيل الدقيق يكون تصديقا لما سيأتي و حُجّةً عليه. بعد غسل الصوف و ندفه و فرزه و تمشيطه تبدأ عملية الغزل، و مقدّمة الغزل هي القرداش و هو تلك الآلة (صورة 1) ذات الأسنان الرقيقة، و بطريقة مُعيّنة نحصل على شكلٍ مستطيل من الصوف يُطوى مباشرة بحركة من إحدى كفّتي القرداش ليتحوّل إلى لُفافة cigar أو قلم ثم يدويّا يُعطى شكل هلال أبيض بقرنين لتسهيل عملية التّطعيم أثناء الغزل (صورة2و 3). بقية المراحل لا تدخل في موضوع هذه الملاحظة. الإشارة الأولى أن اسم Magon يكاد (من المعلومات المتوفرة) يكون حكرا على الطبقة الحاكمة في الدولة و خاصة قيادة الجيش و...
  ميشلان 5- مع انتصاف النهار إلا قليلا ينحسر الظلّ و تنتصب الشمس تماما، و ينفضّ المجلس. الشمسُ الآن كرصاصٍ ذاب فراح يقطرُ لطخاتٍ كبيرة كالصّفعات المتتالية عندما تتابع في صمتٍ على رقبتك و لا تتركُ غير العرق المعروك بالسواد. فطور و قيلولة ترتُقَ ما تمزّق من ساعات حتى يؤَذَّنَ للظهر الأخير. و الظّهر الأخير حينَ ينتصف الظّهر، يُشظّي القيلولة نصفين و يُبعثرها غَفواتٍ بطعم "الفلفل المُلَهْوَثِ" [1] و تجرّعات الثوم و السّردين المقليّ و رغاوي العطش. عبثا حاول الجميع إقناع سي ڨدّور بضرورة ابتدار الصلاة عند دخول الوقت أو تأخيرها إلى العصر، حتّى السلطة عجزت، و السبب مجهول أو لا يعرفه أحد، فآثر أغلب زبائن سي ڨدّور السّلامةَ في بيوتهم، و من حضر فإنما جفاه النّوم أو خلا منزله من ركنٍ بارد ففرَّ إلى بيت الله. و العجيب في الزوايا و المساجد القديمة أنه كلّما اشتدّ حر الظهيرة ازداد بردها و تنسّمت ريح الصّبا فيحلو تحت قبابها كسلُ النوم أو شجَنُ الحديث. الرّواد هم أنفسهم كلّ يوم، سي يونس و سي محمّد تاجر الصوفو سي عبد الله ولد الشيخ و عم جلّول الذي إن غاب أرسلوا في طلبه و أحيانا ي...