Accéder au contenu principal

5 في ربى الجنان



و بعد الصّبح قرفصْتُ محتبيا ثوبي على العادة و السّنن، و في يدي عود أحمِشُ به النار طورا و أخطّ به في الأرض بعضَ الفِكَر و أصغي في اطراقتي تلك لوقع المطر و هدير البرّاد إذْ ينهشُ الجمر قعره، حتى انتصف النهار و حان وقت الافطار.
ثمّ كانت لي إتّكاءةٌ فغفوة فرؤيةٌ لا يَشوب أفقها ضباب و لا قُبّتها سحاب و لا تخاتَلَ في فجاجها ذئاب.
و فيما يرى الرّائي بالحقّ شهدتُني في حُلل من دمسق، على سجّادة من استبرق، أجوب الفضاء، بين سماءٍ و ماء، و خُضرة و بهاء، و القينة عن شمالي تعبث بلحيتي حينا و بالعمامة حينا آخر، و تتثنّي في دلال يقطع من فتنته الأوصال، فتثمل من ريّاها العين و تغدو الخمرُ  كماء المزن. فقلت لها: يا جارية غنّيني هذا الصّوت:
ما عاد يملأ رأسي خمرُ داليةٍ
صُبِّي جمالَكِ حتى يمتلي راسي
 كلُّ النساءِ أحاديثٌ بلا سندٍ
وأنتِ أنتِ حديثٌ لابنِ عبَّاسِ**
فحرّكت عودها و انثنت طربا، حتى كدت أمزّق حلّتي و أخرج من ملّتي، ثمّ ملت عليها في عنان السماء و البساط يسري في بطء و يهتزّ  من أثر النزّو و المزّ.
حتى كنا عند طرف الفردوس حيث ينتصب سورٌ شاهق الارتفاع ترفرف فوقه أعلام الهيئة في إباء و شموخ و خلفه قصر  عالي البناء يُبهر نوره الأبصار و تتحيّر  في كنهه البصائر، و طير مثالَ الأنابيق تُحوّم حول ذُؤاباته أو تحطّ في عرصاته، فصحت: يا عامل الهاتف، بربّك لمن هذا السّدير، و ما تلك المناقير؟
قال بصوت عاودته البُحّة حتّى كأنّه الرعد يومَ الوعد: هذا حِمى شيخ الهيئة فلان، أنعم الله عليه من دونكم بالإحسان، طابت لك الجيرة فاهنأ بالسلام.
قلت و قد أخذني العجب و نخرني الكرب: فأيّ شيء به تزيّل علّنا نتحيّل؟
-كان ينام الليل و يعمل بالنهار، و لا يخلع عنه ثوب الوقار.
قلت: فليبارك الله رِبحه و يُقوّي رُمحه، أما تدلّني على الطريق إلى السوق قبل أن يشتدّ الحرّ و الأوار و يتفرّق الكارِعُ و الزّوّار؟
قال: حاذِ السّور عن اليمين حتى تلقى فحْصَ ماغون، فعده بوابة السوق.
و انتبهت على دمدمة الرّعد و هو يلهجُ بالتسبيح و الحمد.
ـــــــــــــــــــ
** البيتان وجدتهما على تويتر و لا أعرف قائلهما

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

معنى ش ل ب في لسان أهل تونس

شَلَبيّة/شَلْبيّة، شِلْبة، شلْبَبُّو، شْلَبّة المعاجم العربية لا تذكر في هذه المادة غير مدينة شِلب الاسبانية. بينما الواقع يؤكد تداول صيغ عديدة من الجذر "ش ل ب". مدينة شِلب Silbis  أو    CILPES جنوب اسبانيا البِيتِيّة (الأندلس بلغة الشريعة).  [   بيتيّة bétique ، أشم في الاسم رائحة شيء مخفي إذا قارنا التسمية مع vetus ... تتأكد أكثر بالقاء نظرة على مدينة Salapia الايطالية  Salapia vetus ... الأمر متعلّق بأرض قرطاج ]. و لا نعلم شيئا عن الأساطير المرتبطة بمدينة شلب. أَنا لَوْلَا النَّسِيمُ والبَرْقُ والوُرْ ____ قُ وصَوْبُ الغمام ما كُنْتُ أَصْبُو ذَكَّرَتْنِي شِلْبًا وهَيْهَاتَ مِنّي____ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ التَّبَاعُدُ شِلْبُ المعجم الانجليزي (رغم السقطات) يبقى أهم مرجع. إذا قارنّا بين "ش ل ب" و "س ل ب" و الأصل (السنسكريتي) الذي يقترحه المعجم الانجليزي، فإن المعنى يتّضح... sleep أي نام، ضَعُف، غفل،سُلِب الإرادة...      أخطأ المعجم في مقابلة الكلمة بـ "صُحلب" رغم أنه يعرّف saloop على أنها مشروب مخدّر أ...

مقون MAGON

من يذكر أمه أو جدّته و في يدها القرداش لا بدّ يذكر "المقّون/ مڨُّون" و هو جمع ماقونة أو مقّونة و أرجّح ماقونة و جمعها ماقون دون تضعيف حرف القاف، و الأصل هو حرف الڨG و الدليل هو عدد الناطقين به... في جبل نفوسة و شرق الجزائر (قسنطينة) يسمى المقون "قلوم"... جمع قلم أو شكل القلم. تُصرّ أمي، و قد جعلتُها تستذكر تلك الليالي، أن المقّون هو حكرا من الصوف الأبيض و ليس الملوّن أو المخلوط، و إن كانت كلّها مقونات. و هذا التفصيل الدقيق يكون تصديقا لما سيأتي و حُجّةً عليه. بعد غسل الصوف و ندفه و فرزه و تمشيطه تبدأ عملية الغزل، و مقدّمة الغزل هي القرداش و هو تلك الآلة (صورة 1) ذات الأسنان الرقيقة، و بطريقة مُعيّنة نحصل على شكلٍ مستطيل من الصوف يُطوى مباشرة بحركة من إحدى كفّتي القرداش ليتحوّل إلى لُفافة cigar أو قلم ثم يدويّا يُعطى شكل هلال أبيض بقرنين لتسهيل عملية التّطعيم أثناء الغزل (صورة2و 3). بقية المراحل لا تدخل في موضوع هذه الملاحظة. الإشارة الأولى أن اسم Magon يكاد (من المعلومات المتوفرة) يكون حكرا على الطبقة الحاكمة في الدولة و خاصة قيادة الجيش و...
  ميشلان 5- مع انتصاف النهار إلا قليلا ينحسر الظلّ و تنتصب الشمس تماما، و ينفضّ المجلس. الشمسُ الآن كرصاصٍ ذاب فراح يقطرُ لطخاتٍ كبيرة كالصّفعات المتتالية عندما تتابع في صمتٍ على رقبتك و لا تتركُ غير العرق المعروك بالسواد. فطور و قيلولة ترتُقَ ما تمزّق من ساعات حتى يؤَذَّنَ للظهر الأخير. و الظّهر الأخير حينَ ينتصف الظّهر، يُشظّي القيلولة نصفين و يُبعثرها غَفواتٍ بطعم "الفلفل المُلَهْوَثِ" [1] و تجرّعات الثوم و السّردين المقليّ و رغاوي العطش. عبثا حاول الجميع إقناع سي ڨدّور بضرورة ابتدار الصلاة عند دخول الوقت أو تأخيرها إلى العصر، حتّى السلطة عجزت، و السبب مجهول أو لا يعرفه أحد، فآثر أغلب زبائن سي ڨدّور السّلامةَ في بيوتهم، و من حضر فإنما جفاه النّوم أو خلا منزله من ركنٍ بارد ففرَّ إلى بيت الله. و العجيب في الزوايا و المساجد القديمة أنه كلّما اشتدّ حر الظهيرة ازداد بردها و تنسّمت ريح الصّبا فيحلو تحت قبابها كسلُ النوم أو شجَنُ الحديث. الرّواد هم أنفسهم كلّ يوم، سي يونس و سي محمّد تاجر الصوفو سي عبد الله ولد الشيخ و عم جلّول الذي إن غاب أرسلوا في طلبه و أحيانا ي...