Accéder au contenu principal

"هذه القرية تهلك قبل أربعين سنة من باقي القرى" 2

خيام البدو متناثرة خلال تلك السّهوب، و الكلأ سديم. و الجِمالُ الرّاغية سئمت التّرحال و المسالك النّائية و الصّمتَ حين تقفو أثرها عساكر المحَلّة أو تفكّ أحمالَها جندرمة الفرنسيس.
شغَفُ العيش رَزيّة، و القَطْرُ... عفَّتِ الغيومُ أروقةَ الصّحراء فعمَّمَتْ الذُّرى، و الذّاريات لها سَفْعٌ كوخز الذَرّ تُسـنْفَرُ في القيعان العَفْراء.
بَعْضُ الخيام تَمَتْرَستْ بجُدرانٍ من حَجرٍ و زرب، أعياهم الطريق فخلدوا حيث أزهر في أرواحهم الكَلل. يوما سيُثمرُ أزقّةً و قُرى.
بِضعُ نخْلات تجمّعت أسفلَ تلّةٍ جرداء. الطائر الزّهريُّ طويل العنق مرّ من هنا و لم يكِنْ -حدستْ "أمي سالمة". نهرت الدواب تستحثّها و غذّت الخطى، لا مقام هنا.

الطّريق آمن، قُطّاع الطرق و الصّعاليك ضيّقَ عليهم الجنود الذين يرطنون مُنهكين من سياط الشّمس و الغبار و الهزيمة. ظلّت هذه البراري و الوديان و الرّبى و الجبال مَهدُهم و رزقهم و لحدُهم و ذكراهم في الذّاكرين، فوحّدوا بنادقهم إلى صدر الأجنبيّ و تحصّنوا بالشّعاب و شعف الجبال.
الصّبيّ على ظهرها إن صحا أو في عديلَتَه يُهدهدُه تمايل الناقة، هو أنيسها و ذكراها و لا غربة مع لغْوَى صبيّ.
انتصبت الشمس. أرخت زمامَا الفرسين و تفقّدت الزّاد.
لم يبقَ شيء.
تمرتان و كسرة خُبز.
قطّعت بعضَ خِلْفَاتٍ من الطّابية(1) للناقة و جلست حين بكى الصّبيّ. وضعت بين شفتيه تمرة يمصّ حلاوتها و قضمت خبزا بتمرة تحت خرّوبةٍ وارفة أظلّت الطّريق، و ثَمَّ غَفَتْ.
بسقت نخلة من فناء منزل و أطلعت و فوق النخلة غرّد الطائر الزّهريّ في وكره.

انتبهت و الشمس تقرصها و أشرفت باسمةً على الوادي.
سالت مع السّهل حتى فاض بها و شعرت بالأمان.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

معنى ش ل ب في لسان أهل تونس

شَلَبيّة/شَلْبيّة، شِلْبة، شلْبَبُّو، شْلَبّة المعاجم العربية لا تذكر في هذه المادة غير مدينة شِلب الاسبانية. بينما الواقع يؤكد تداول صيغ عديدة من الجذر "ش ل ب". مدينة شِلب Silbis  أو    CILPES جنوب اسبانيا البِيتِيّة (الأندلس بلغة الشريعة).  [   بيتيّة bétique ، أشم في الاسم رائحة شيء مخفي إذا قارنا التسمية مع vetus ... تتأكد أكثر بالقاء نظرة على مدينة Salapia الايطالية  Salapia vetus ... الأمر متعلّق بأرض قرطاج ]. و لا نعلم شيئا عن الأساطير المرتبطة بمدينة شلب. أَنا لَوْلَا النَّسِيمُ والبَرْقُ والوُرْ ____ قُ وصَوْبُ الغمام ما كُنْتُ أَصْبُو ذَكَّرَتْنِي شِلْبًا وهَيْهَاتَ مِنّي____ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ التَّبَاعُدُ شِلْبُ المعجم الانجليزي (رغم السقطات) يبقى أهم مرجع. إذا قارنّا بين "ش ل ب" و "س ل ب" و الأصل (السنسكريتي) الذي يقترحه المعجم الانجليزي، فإن المعنى يتّضح... sleep أي نام، ضَعُف، غفل،سُلِب الإرادة...      أخطأ المعجم في مقابلة الكلمة بـ "صُحلب" رغم أنه يعرّف saloop على أنها مشروب مخدّر أ...

مقون MAGON

من يذكر أمه أو جدّته و في يدها القرداش لا بدّ يذكر "المقّون/ مڨُّون" و هو جمع ماقونة أو مقّونة و أرجّح ماقونة و جمعها ماقون دون تضعيف حرف القاف، و الأصل هو حرف الڨG و الدليل هو عدد الناطقين به... في جبل نفوسة و شرق الجزائر (قسنطينة) يسمى المقون "قلوم"... جمع قلم أو شكل القلم. تُصرّ أمي، و قد جعلتُها تستذكر تلك الليالي، أن المقّون هو حكرا من الصوف الأبيض و ليس الملوّن أو المخلوط، و إن كانت كلّها مقونات. و هذا التفصيل الدقيق يكون تصديقا لما سيأتي و حُجّةً عليه. بعد غسل الصوف و ندفه و فرزه و تمشيطه تبدأ عملية الغزل، و مقدّمة الغزل هي القرداش و هو تلك الآلة (صورة 1) ذات الأسنان الرقيقة، و بطريقة مُعيّنة نحصل على شكلٍ مستطيل من الصوف يُطوى مباشرة بحركة من إحدى كفّتي القرداش ليتحوّل إلى لُفافة cigar أو قلم ثم يدويّا يُعطى شكل هلال أبيض بقرنين لتسهيل عملية التّطعيم أثناء الغزل (صورة2و 3). بقية المراحل لا تدخل في موضوع هذه الملاحظة. الإشارة الأولى أن اسم Magon يكاد (من المعلومات المتوفرة) يكون حكرا على الطبقة الحاكمة في الدولة و خاصة قيادة الجيش و...
  ميشلان 5- مع انتصاف النهار إلا قليلا ينحسر الظلّ و تنتصب الشمس تماما، و ينفضّ المجلس. الشمسُ الآن كرصاصٍ ذاب فراح يقطرُ لطخاتٍ كبيرة كالصّفعات المتتالية عندما تتابع في صمتٍ على رقبتك و لا تتركُ غير العرق المعروك بالسواد. فطور و قيلولة ترتُقَ ما تمزّق من ساعات حتى يؤَذَّنَ للظهر الأخير. و الظّهر الأخير حينَ ينتصف الظّهر، يُشظّي القيلولة نصفين و يُبعثرها غَفواتٍ بطعم "الفلفل المُلَهْوَثِ" [1] و تجرّعات الثوم و السّردين المقليّ و رغاوي العطش. عبثا حاول الجميع إقناع سي ڨدّور بضرورة ابتدار الصلاة عند دخول الوقت أو تأخيرها إلى العصر، حتّى السلطة عجزت، و السبب مجهول أو لا يعرفه أحد، فآثر أغلب زبائن سي ڨدّور السّلامةَ في بيوتهم، و من حضر فإنما جفاه النّوم أو خلا منزله من ركنٍ بارد ففرَّ إلى بيت الله. و العجيب في الزوايا و المساجد القديمة أنه كلّما اشتدّ حر الظهيرة ازداد بردها و تنسّمت ريح الصّبا فيحلو تحت قبابها كسلُ النوم أو شجَنُ الحديث. الرّواد هم أنفسهم كلّ يوم، سي يونس و سي محمّد تاجر الصوفو سي عبد الله ولد الشيخ و عم جلّول الذي إن غاب أرسلوا في طلبه و أحيانا ي...