مذكرات عبسلام الموسم3 الحلقة15 و انطلَقَ عبسلام مستدبرا القِبلة التي كان عليها، مُغرّبا في البلاد تؤزّه موجاتٌ من الطّاقة الخفيّة و تحرسُه عينُ شيخه التي لا تطرفُ و لا يُصيبُها وسَنٌ و لا تنام. و حينَ أدركه التّعب أرخى مقعدته و جلس إلى ظلّ خرِبَةٍ من عمل الأوّلين يتأمّل. "إنّ الدار الآخرة هي الحيوان" قال في نفسه، و جدّف الهواء بيديه فانتصب واقفا حين لاح له خيال عربة يجُرّها بغل، و لوّح بيديه عسى الحوذيّ يوصله إلى العامرية. و انطلقت العربة تترنّحُ تحت ثِقَلِ الأمانة و البغل يخبّ حينًا و يَكِبُّ حينا حتى أدرك الرّكب البُريْدِعَة 1 . قال السائق: -باين فيك ناس ملاح و دخلت قلبي بالزّاف، يا ريت تروح معايا نبغي ندير لك ضيافة. فشكره عبسلام و دعا له بالبركة و ظلّ يُلوّح بيديه مودّعا حتى اختفى في بعض الفجاج. و خطر لعبسلام أن يروغَ يمينا عند بعضِ الثنايا متجنّبا الطريق الرّئيس و مقتفيا زُبُرَ الحديد 2 ، و كأنّما هَبّتْ ريخٌ مُرْسلةٌ تقوده عبر تلك الهضاب و النتوءات لتحطّ به عند محطّة القطار مدخل قريةٍ لم يتبيّن اسمها و الليل أسدل الستار و نام. و تحت جناح الظّلام غفا ...