تلك الليلة أخذه النوم فلم ينتبه إلا و الصّبح يتسلل عبر كوّة الحائط و شقوق ألواح النافذة الموصدة. مسح العرق على جبينه و حول رقبته و هو يجلس على حافة السرير و قدماه تسويّان البلغة على الأرض. عادة سيّئة لدى الكثيرين، أو هي طبيعة فيهم، يتخوّفون من نسائم الصيف فيطبقون على أنفسهم الأبواب مفضلين رائحة العرق و طعم الملح. توضّأ عم صالح و أسبغ الوضوء لعلّ الماء يُزيل شيئا من لزوجة جلده، و حين همّ للصلاة تناهى إليه أذان ديك للاّ زكية منذرا بطلوع قرن الشيطان، فكبّر مسرعا لعلّه –بينه و بين نفسه- يتمّ الرّكعة الأولى قبل الشروق، من يدري! لعلّها إحدى حِيَلُ مالك مع ربّه. في الخارج أصوات ثغاءٍ و رُغاء و جلبةٌ ليست بعيدةً، تميّز يوم السّوق. في حانوته، امتلأت خياشيمه برائحة التّراب العطن المنبعثة من الجدران المشبعة بالنّدى المتسرّب من طبقات الرّدم و الهدم التي خلّفتها ثمانية قرون من التقلبات على حافة مجرى موسميٍ لوادٍ سحيق. و كالعادة، سحب كرسيّه و جلس عند عتبة الباب. رائحة فحمةٍ مرعوبة ألهبت أنفه و عينيه و معها شذى الشاي الفائرَةِ فُقاعاته على كانونٍ ملتهب أهاجت اللّعابَ على لسانه فأحدث ذلك ...