Accéder au contenu principal

Articles

وحش الفلاه 13

تلك الليلة أخذه النوم فلم ينتبه إلا و الصّبح يتسلل عبر كوّة الحائط و شقوق ألواح النافذة الموصدة. مسح العرق على جبينه و حول رقبته و هو يجلس على حافة السرير و قدماه تسويّان البلغة على الأرض. عادة سيّئة لدى الكثيرين، أو هي طبيعة فيهم، يتخوّفون من نسائم الصيف فيطبقون على أنفسهم الأبواب مفضلين رائحة العرق و طعم الملح. توضّأ عم صالح و أسبغ الوضوء لعلّ الماء يُزيل شيئا من لزوجة جلده، و حين همّ للصلاة تناهى إليه أذان ديك للاّ زكية منذرا بطلوع قرن الشيطان، فكبّر مسرعا لعلّه –بينه و بين نفسه- يتمّ الرّكعة الأولى قبل الشروق، من يدري! لعلّها إحدى حِيَلُ مالك مع ربّه. في الخارج أصوات ثغاءٍ و رُغاء و جلبةٌ ليست بعيدةً، تميّز يوم السّوق. في حانوته، امتلأت خياشيمه برائحة التّراب العطن المنبعثة من الجدران المشبعة بالنّدى المتسرّب من طبقات الرّدم و الهدم التي خلّفتها ثمانية قرون من التقلبات على حافة مجرى موسميٍ لوادٍ سحيق. و كالعادة، سحب كرسيّه و جلس عند عتبة الباب. رائحة فحمةٍ مرعوبة ألهبت أنفه و عينيه و معها شذى الشاي الفائرَةِ فُقاعاته على كانونٍ ملتهب أهاجت اللّعابَ على لسانه فأحدث ذلك ...

يا نار

    يا نارُ ما لك قد خَمَدْتِ! فاتّقدي أفيكِ من نَفَسٍ باقٍ و من مَدَدِ؟ أم هلَكَتْ! فهْيَ في رمادها تقضي لولا بقايا في حُطامِها النّضِدِ دونَكِ من جَمْرِ الفُؤادِ... فاقتبسي سِرًّا لروحِكِ لا يفنى إلى الأبَدِ إنّ التي أذكَتِ النيرانَ في قلبي أراقَتِ الخمرَ في روحي و في جسَدي حتى ثَمِلْتُ، و خيرُ السُّكْرِ ما يبقى إنْ يَبْلُ... يُرْسَلْ في ثَوْبِهِ الجُدُدِ إذا الهوى لمستْ صدري نسائِمُهُ تَمدَّدتْ أضْلُعي بالنّارِ كالعَمَدِ حتّى إذا ما سَرَتْ حولي تُطوّقُني لَفّتْ بأذرُعها حبلا مِنَ المَسَدِ تظلُّ في غَيْظِها ترمي لها شَرَرًا أنفاسُها... كالنّفّاثاتِ في العُقَدِ

في رُبى الجنان 7

خمدتْ أنفاس النار و تفرّق من حولها السّمّار، و عن نفسي، فقد آويت إلى الدّثار، بعدَ أن قضيْتُ السّنّة في نفضِ الغبار، بطرفِ الإزار. و ما أن لسعني برد الفراشِ بسياطه، حتى غمرني الدّفء بهناءه و حلّ النّوم في المفاصل، و أطبَقتْ الرّموش الذوابل. و إن نامت العين فإنّ قلب المؤمن لا ينام، و حبل الوصل مشدود الزّمام، فاخترقتُ حجاب النّور إلى حياة السّعادة و الحبور، و رأيتني أعبثُ بالسّماط، على ظهر البساط و قد لاحت السّوق أمامي و تناهى إليّ ،منها، صخبُ الكلام. فترجّلت عن الصُّهى، إلى نديِّ الثرى، ثم طويتُ الخرقة على عاتقي كفاليجة على سنام بعير، و تقدّمت أسير، فإذا هي تخفقُ في سمائها البنود، و تتمايس في زحامها القدود، و لافتة مكتوبٌ فيها: "لا تنسَ دعاء السوق" و أخرى تستعيذ من الفسوق، و غيرها مما سنّ ابنُ الفاروق و لهجت به الحلوق. فرحتُ أتمشّى بين النُّصب، و فيها من كلّ عجب، و في ظنّي أنها مما طرحت حدائق النعيم، و فاضت عن كلّ مُقيم، و مما صنعت أيادي الحور و ربّات الخدور، فسألت أحد الباعة، عن سرّ الصناعة، و مصدر كلّ بضاعة، فقال: لعلّكَ من هيئة الحسبة! أو أعلاهم في الرّتبة! إنّ كلّ ه...

كلاب

تلاعبَ بالرّياسةِ شيخُ بعْرٍ بِدرْوَشَةٍ أتاها في كِتاب فدانَ له غُثاء السّيل حتى رأيتَ الموتَ يسعى في التّراب و آزرهُ علانِيَةً شُيوخ بِفقْحَتِهم ترى أثر الضِّراب و آلُ سعودَ إذْ نثروا و هالوا عليْهِ ريالهم و على القِحابِ و كان له مِن السّند الوضيع سماسِرَةٌ، نَعُدُّ مع الكلابِ و زادَهُمُ الخِداعُ سُمُوَّ شأْنٍ إذا المملوك فَصّل في الخطاب لعلَّ اللّيل كانَ لهم هنيئا و قدْ رقصَ الغُرابُ على الخرابِ و غنّى الفأرُ للجرذانِ صوتًا نعيق البوم في الأرضِ اليبابِ سيأتي الصُّبْحُ، إنّ الصّبْح كان لناظره، يُفَتّحُ من... سَرابِ

شمس الميلاد

غدا،  تولد الشمسُ،  بعثًا  جديدَا.. . و من رَحِمِ الظُّلُمات تُنيرُ سماءَ الحياة بِخَفْقِ قُلوب رمى العِشْقُ منها الوريدَا غدًا، ترسُمُ الشّمسُ، يوما سعيدا  على الكلمات  و أشواقِها إذا أخذتْها الدّروبُ بعيدا كَحضْنِ صديقٍ كَكَفِّ رفيقٍ يُردّدُ: يوْمًا مجيدا و عمرًا مديدا

وحش الفلاه 12

  اليوم الخميس، و البلدة المُطمئنّة تسبقُ غَدها بحفنةٍ من بخور، و الكثيرِ من الماء، و تُسرجُ الشموع و القناديلُ في الغرف المُفتّحة باكرَا هذا المساء، و الأعمالُ تُعرضُ على السماء. و إلى السّوقِ تَسْبِقُ الصّناديق. برَّدَ بالعصر و انطلق، حتى إذا كان في المفترق الضيّقِ توقّفَ برهةَ. نظر عن يمينه بعيدا، السوق تبدأ من هنا، النسّاجون يستلمون و يُسلّمون و يتفاوضون مع النّسوة حول بقية الثمن و  أمين الصّاغة تلمع طاولته أمام دكّانه و باعة الخردة لا زالوا يفكّون الأربطة و غدا يكتمل الانتصاب. ألقى التحية على فرقة العيساوية وقد اكتملت عدّتهم لإحياء بعض الأفراح و غادروا الزاوية، زاوية سيدي بن عيسى الصّوفيِّ المعروف التي عادت ملكيتها إلى الدولة فجعلت منها نقطة لتوزيع المساعدات و تقديم الحساء الساخن لمن يوافق عليهم الشيخ -العمدة. عندما استأنف الطريق أمامه خطر له أن يلقيَ نظرة على احتفالات الزاوية و يسرّح بصره في ما انفرج من الباب و يستنشق هباء البخور و الحنّاء، فانعطف يسارا ملتفّا حول الجامع الكبير حتى تناهى إليه وقع الدفوف و بعض القهقهات الغضّة فعضّ على لسانه و أبطأ السّير. ساحة ا...

6 في ربى الجنان

على إثر هجعة القائلة، مسّتني –ليلتي تلكَ- غفوةٌ زائلة، و انتبهتُ فإذا قد لبسنِيَ السّهر، و زمّلني الأرقُ بالدّثُر، فقلْتُ الصّلاة الصلاة! و نهضتُ للميقات. و ما هي إلا ركعات حتى تفسّح السّهاد و ذبلت العين للرّقاد، و رأيتني بفضل المولى أهمزُ بساطي فيستديرُ بإذن ربّه و ينساب مُوازيًا السّور  حتى بلغنا أيكَةً لم أرَ مثلها من قبل، أشبه ما يكون بشجرة المُرّ في بعض سُفوحِ عدن، تتشابكُ أغصانها كحكايا السّمّار في يومِ قرّ، و تمتدّ كما بين المشرق و المغربِ، و العيون مُتفجّرَةٌ من بين تجاويف جذعها، هذا عذبٌ فرات و هذا خمرٌ دِهاقُ و ذاك لبَنٌ غيرُ مَضير، و تلك عينٌ حمئةٌ و هناك عسلٌ مصفّى و أخرى لم أتبيّنها. قلت للقينة و قد مال المركَبُ بنا ليحطّ: -يا جارية أبْسُطي رداءك أعبّأْ لكِ شيئا من اللبان لأمّ البنين، فإنّي قاصدٌ السّوقَ من حيني. و لمّا رفعت طرف ثوبها انكشف المستور  فدعوتُ على نفسي بالهلكَةِ و الثّبور و حزتها عند مقعدٍ من ساجٍ مُغلّفٍ بالحُليِّ و الديباج، حتى خمدَ ثبير، و عندها طابَ ليَ المسير. و ما أن عزمتُ حتى انفرجَتْ في السور فُرجة و إذا هو طريقٌ مرصّفٌ بالعقيق و ع...